إليكم ما هو خيرٌ من أنظمة ”ويندوز“ و ”أو أس ١٠ أبل“ وأكثرُ أمنًا

بسم الله الرحمن الرحيم
وعلى الرسول الكريم أفضلُ الصلاة والتسليم،
أما بعد،
البرمجيات الخبيثة في أيامنا هذه تترى، وآخرها الهجومُ الوبائي لبرمجيات “الفِدية” التي تقوم بتعمية (تشفير) ما على جهازك وإظهار رسالة تطالبك بدفع فدية لقاء فك التعمية وإلا فلن تتمكن من الوصول إلى بياناتك مجددا، ناهيكم عن آلاف الفيروسات والديدان البرمجية التي تعجُّ بين المستخدمين.

ما لا يعرفه جُلُّ المُستخدمين هو أن “قِلّةُ المناعة” هذه أو “داءُ نقص المناعة” وتعرض الحواسيب لهذه المخاطر الجمّة إنما تنتج بشكلٍ رئيسي عن ضعف نظام “النوافذ” (ويندوز) من شركة ميكروسوفت وهو النظام الذي تعتمده الغالبية من الناس. وما لا يعرفه جُلُّ المستخدمين هو وجودُ نظام تشغيل آخر أكثرُ آمنًا بكثير ولا تكاد تقدر أي برمجية خبيثة على اختراقه أو أذيته أو التغلغل فيه وهو فوق درجة أمنه العالية هذه نظامٌ متكامل الإمكانات والخصائص.

اسم هذا النظام العلمي هو “غنو\لينكس” (واختصارًا لينكس) وهو مبني على أعلى درجات الأمن والأمان والتي اكتسبها من انضباطه بمعايير “يونكس” الشهيرة والمعتمدة في الخوادم الكبيرة والاحترافية. وتوجد من هذا النظام عدة “توزيعات” (أو قل إن شئت نكهات أو إصدارات) أشهرها وأفضلها لأجهزة الحاسوب الشخصية وبلا مُنازع توزيعة فيدورا من شركة ريدهات العريقة.
وتتميز فيدورا بدرجة أمان أعلى لاعتمادها منظومة الأمن التي انتجتها وكالة الأمن القومي الأمريكي، إذ قاموا بتطوير طبقة حماية قاسية تجعل من الصعوبة بمكان اختراق أو إصابة نظام فيدورا بالبرمجيات الخبيثة.

 

وربما تتفاجئون لو عرفتم أن مستخدمي هذا النظام لا يعرفون تطبيقات كشف وإزالة البرمجيات الخبيثة والفيروسات ولا يستخدمونها على الإطلاق نظرًا للتدابير الأمنية المُشددة التي يوفرها النظام.

 

ولكن هنالك في غنو\لينكس وفيدورا بالتحديد ما هو أهم وأعظم من حصانتها ضد البرمجيات الخبيثة؛ فعلى خلاف أنظمة التشغيل الآخرى مثل نظام النوافذ من ميكروسوفت أو نظام أو أس ١٠ من أبل، فإن غنو\لينكس هو نظام تشغيلٍ حُر ومفتوح المصدر، بمعنى أنه لا يضع أي قيود على الطبع والتوزيع والاستخدام. ففي الوقت الذي يستخدم فيه الكثيرون برمجيات “مُقرصنة” لا يسمح أصحابها وشركاتها بالنشر والتوزيع إلا من خلال دفع المال وأخذ رخصة للاستخدام فإن نظام فيدورا ليس عليه أيٌّ من هذه القيود، بل إن أصحابه يُشجعون الجميع على استخدامه ونشره وبلا مقابل أو أجر أو تقييد.
إذا فنظام فيدورا هو نظامٌ مجاني، وهو أيضًا نظام حُر ومفتوح المصدر، بمعنى أنه يحق لجميع المستخدمين (وبالأخص التقنيين منهم) الوصول والحصول على النصوص المصدرية التي كتبها المبرمجون الأصليون ومن ثَمَّ مراجعتُها وتنقيحها والتأكد من خلوها من العثرات والعلل وحتى الأبواب الخلفية. ويمكن للمستخدمين المساهمة بتعديلاتٍ وتحسينات صَغُرَت أم عَظُمَت ويجري بعدها مراجعة تلك المساهمات وضمها للتطبيقات الأصلية، كما ويُرحب بالتبليغ عن العِلل أو المساهمة في تحسين التوثيق أو دعم المستخدمين الجدد. وهذا ما يُعرف في البرمجيات الحُرة بنموذج “كُرة الثلج المتدحرجة” وهكذا تطور نظام غنو\لينكس ونضج في الأساس، فقد قام عشرات الآلاف من المبرمجين والتقنيين بتحسين النظام ومراجعته آلاف المرات ليصل إلى ما وصل إليه من اكتمالٍ ونضج.

وقد حَدَت هذه الميزات الفائقة والحُريات بأن تبنت كبريات الشركات والحكومات في العالم غربه وشرقه استخدام نظام التشغيل الحُر غنو\لينكس. من روسيا إلى ألمانيا إلى تايوان إلى أمريكا الجنوبية. وهو النظام الأول عالميًا وبلا مُنازع في الخوادم فغوغل وفيسبوك وتويتر تستخدم البرمجيات الحُرة بشكلٍ أساسي لتقديم خدماتهم لمئات الملايين من المستخدمين ليحموا أنظمتهم من الهجمات الكثيرة التي يتعرضون لها من قِبَلِ البرمجيات الخبيثة ومحاولات استغلال الأبواب الخلفية والثغرات الأمنية. وللعلم فإن نظام أندرويد الشهير من غوغل والذي يُدير غالبية كبيرة من أجهزة الهاتف الخليوي والأجهزة اللوحية بُني على نواة لينكس ويستخدم البرمجيات الحُرّة بشكلٍ أساسي.

وتجدون على نظام تشغيل فيدورا متجرًا ضخمًا ومجانيًا وآمنًا للبرمجيات فيه ما يربو على ٢٠ ألف تطبيق يُغطي معظم احتياجاتك العملية، فالبحث عن أي برمجية وطلب تنزيلها لا يحتاج سوى إلى لحظات، كما ويوجد تطبيق يمكنه تشغيل الكثير من برمجيات نظام النوافذ (وليس كلها، ولا ننصح بذلك إلا للضرورة).


صورة لِمركز برمجيات فيدورا (متجر التطبيقات)

ومن جماليات نظام فيدورا هو إمكانية تجربته على الحواسيب الشخصية (سواء العادية أو حواسيب أبل) من خلال تنزيل ملف النظام من الموقع الرسمي على الشابكة (الإنترنت) إلى اصبع ذاكرة (تضعه في منفذ الـ يو أس بي) ومِن ثَمَّ تُجري الإقلاع من اصبع الذاكرة ذاك وستجد النظام كاملا متكاملا، إذا شئت تستخدمه بهذه الصورة أو إذا شئت (وهذا أفضل) قُمتَ بتنصيبه على حاسوبك الشخصي ويمكن تنصيبه على الحاسوب الشخصي جنبا إلى جنب مع نظام النوافذ أيضا فتقلع مِن أحدِهما وتستخدمه متى تشاء.
إذا لم تكن قد جربته بعد، فأنصحك بشدة بأن تجربه، تتوفر حاليا الإصدارة ٢٥ منه ولكنني أنصح بالانتظار حتى صدور الإصدارة ٢٦ في غضون شهرين أو أقل.
وتذكر أن هذا النظام مقدمٌ لكم بالمجان ولا يوازيه في الأمن أي نظام تشغيل آخر، ويمكنكم التحقق من كافة مكوناته والنظر في نصوصها المصدرية ومراجعتها وأيضا تعديلها وتحسينها. وتُقدر كلفة انتاج هذا النظام ب عشرة مليارات دولار تُقدم لنا على طبق من ذهب. وفي المقابل فأنظمة مايكروسوفت وأبل هي أنظمة مغلقة مُحتكرَة، يحددون حقك في استخدامها ويمنعون عنك توزيعها حتى لو دفعتَ لهم ثمنها. ثم إذا استخدمتها بلا ترخيصٍ رسمي يُشبهوك بالمجرمين الذين كانوا يركبون السفن في الماضي ويستولون على السفن الأخرى غصبًا؛ فيطلقون عليك اسم ”قُرصان“. وأنظمة التشغيل تلك -وفوق كل ذلك- ملئية بالثغرات والأبواب الخلفية ولا يمكنك فعل شيء تجاه ذلك ولا يُسمح لك بالوصول إلى أصل البرمجية لتنظر فيها وتتحقق منها أو تصلحها؛ فهم بذلك كمن يبيعك سيارة وقد أحكم إغلاق المحرك فلا يسمح لكَ بفتح الغطاء ويحرمك من حق إصلاحها بل ولا يسمح لك بأن تعطي سيارتك لغيرك ليستخدمها. ولا أرد على تلك الأنظمة المغلقة إلا كما قال عنترة: ربَّ عَيشٍ أخفُ مِنهُ الحِمامُ.
ولا يفوتني أن أذكر “مجتمع لينكس العربي” وهو مجموعة ناشطة من الشباب والمهتمين بدعم البرمجيات الحُرّة عامة ويقوم أيضا على توفير إصدارة من فيدورا اسمها “أعجوبة” بنكهة عربية جميلة.

ويجدر بالذكر أنني استخدم غنو\لينكس وفيدورا بشكلٍ حصري واحترافي منذ حوالي عشرين سنة. ويستخدمه كذلك أطفالي وزوجي.

نعم، قد تواجهك صعوبةٌ ما في بداية استخدام نظام تشغيل جديد وحتى الاعتياد عليه والتعرف على برمجياته. ولكن بالنظر إلى إيجابيات النظام فإنني أقول أنه يستحق أن نستخدمه وأن نتحرر من استخدام التطبيقات المُحتكرة من مايكروسوفت وأبل وأن نتحرر من الخوف الدائم من الاختراق والبرمجيات الخبيثة. أؤمن أن نظام تشغيلٍ حرٌّ خيرٌ مِن مُغلق ولو أعجبنا.

كفاح عيسى
خبير تقني في البرمجيات الحُرّة وأمن المعلومات ومتحدث في منظمة غنو (البرمجيات الحرة) العالمية.
يمكنكم الوصول إلي عبر بريدي الإلكتروني kefah.issa@gmail.com
المراجع:

رابط مجتمع لينكس العربي
رابط موقع فيدورا لينكس
رابط موقع أعجوبة
مقالة مُفصّلة عن البرمجيات الحرة ومفاهيمها.

مُلحق: أسئلة متكررة

  • هل تتوفر تطبيقات في كافة المواضيع؟
    يزخر نظام لينكس بعشرات الآلاف من التطبيقات والتي تغطي كافة الاحتياجات في معظم الأحيان. وبالطبع هناك تطبيقات محددة الاستخدام ومحدودة لم تصدرها شركاتها على نظام لينكس وتكون في العادة برمجيات متخصصة مثل أتوكاد للرسم الهندسي أو كويك بوكس للمحاسبة. نعم هذه التطبيقات غير متوفرة بعينها على نظام لينكس. ولكن هنالك الكثير من التطبيقات البديلة والحرة. وإذا كُنتم تريدون استخدام تطبيق معين ولم تنجحوا في جعله يعمل على لينكس فيمكنكم بسهولة إنشاء آلة وهمية عليها نظام “ويندوز” وتشغلون التطبيقات المحددة التي تريدونها من هناك.
  • ما هي أسهل طريقة لتجربة هذا النظام وتنصيبه؟
    بدايًة جربوا الإقلاع من خلال اصبع الذاكرة كما ذُكر في المقالة، ثم بعدها يمكنكم تقليص مساحة نظام التشغيل القديم (ويندوز مثلا) وتنصيب لنيكس على الجزء الفارغ، أو يمكنكم تنصيب لينكس بالكامل على الجهاز وإذا ما احتجتم إلى نظام ويندوز بصورة قاهرة تنصبوه على آلة وهمية داخل لينكس ومن ثم تشغلون البرامج المحددة التي تحتاجونها على تلك الآلة الوهمية. والأفضل طبعا أن تستخدموا تطبيقات لينكس الأصلية المتوفرة على متجر تطبيقات فيدورا.

 

  • لماذا لا يتم استعمال هذا البرنامج من قبل شركات الحاسوب؟
    فلننظر في تصنيفات الاستخدام الحاسوبي:
    أ- أجهزة الخوادم التي تُدير تطبيقات الشابكة (مثل مواقع وخدمات غوغل وفيسبوك وغالبية المواقع الأخرى تعمل حصريا على نظام غنو لينكس و\أو البرمجيات الحرة). ونعم هو أرخص لها.
    ب- الأجهزة المتضمنة: تعمل غالبيتها الساحقة على نظام غنو لينكس
    ج- الأجهزة الخليوية واللوحية: تعمل النسبة الكبرى منها على البرمجيات الحرة ونواة لينكس (وهو ما بُني عليه نظام أندرويد من غوغل)
    د- أجهزة سطح المكتب والحواسيب المحمولة: نسبة لينكس عليها قليلة ولكنها في ازدياد مضطرد ولهذا أحببتُ تعريف الناس بهذا النظام. فقد بلغ غاية النضج.

 

  • هل هنالك شركات توفر الدعم الفني المحترف وتحمل المسؤلية للموسسات؟
    كبريات الشركات في العالم اعتمدت البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر (ومن ضمنها نظام غنو\لينكس) لتوفر قدرًا كبيرًا مِن ميزانيات الرخص. ونعم توفر شركات مثل ردهات وسوسة وغيرها الكثير الدعم الفني اللازم وعلى أعلى مستوى. ردهات هي شركة قائمة بالكامل وحصريا على برمجيات مفتوحة المصدر وحُرة. وهي من يقف وراء توزيعتها الرسمية “ريدهات لينكس” الموجهة للمؤسسات وهي أيضا من يقف وراء “فيدورا”. بل إن فيدورا في ريدهات هي حاملة لواء الحداثة والتطور لأنها تحوي على آخر ما استجد في البرمجيات الحُرة. لذلك فمدير ريدهات وموظفوها يستخدمون فيدورا كما يستخدمها “لينوس تورفالدس” وهو الشخص الذي كتب نواة لينكس، ويستخدمها أيضا العبد الفقير 😉 . بل إن أعظم الحواسيب العملاقة في العالم تستخدم فيدورا.ردهات (على سبيل المثال وليس الحصر) تقدم كل ما يلزم الشركات من متطلبات تحمل المسؤلية القانونية. والحقيقة أن البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر قد تجاوز بكثير مرحلة “التريث حتى التثبت” وأصبحت الأولى عالميًا في الشركات والحكومات. شركات الطيران وأنظمة الطيران كافة، كبرى شركات الأوراق المالية (البورصات)، المصارف كافة، كبرى شركات التأمين، كبرى شركات خدمات الشابكة (مثل غوغل وفايسبوك وتويتر وغيرها) كلها تستخدم برمجيات حرة وبشكلٍ حصري. وستجدون عشرات الأبحات والدراسات المستفيضة حول هذا الأمر. التغيير حصل والأن نعيش فقط مرحلة اكتمال اعتماده.

 

  • هل يتوفر الدعم الفني للأفراد؟
    الدعم الفني متوفر من خلال قنواتٍ كثيرة لا يتسع المقام لذكرها هنا (ولكن من ضمنها مجمتع لينكس العربي). ويمكن البحث عنها بسهولة على الشابكة.
    لماذا لا تستفيد ميكروسوفت من هذا وتضيفه إلى ويندوز؟
    هي بالفعل تفعل ذلك. ولكن بطريقة ملتوية. لأنها لو وفرت نظام لينكس الحر كما هو لما وسعها أن تطلب منك مئتي دولار لقاء سماحها لك باستخدام نظامها على حاسوبك. ولكن ابحث عن ميكروسوف + لينكس وستجد كيف تتغنى ميكروسوف بلينكس وكيف أن ادخلت استخدامه في أنظمها وخدمتها السحابية آزور أيضا.

 

  • هل عدم الانتشار هو السبب في عدم أو قلة الاختراقات؟
    لا أرى أن قلة الانتشار على سطح المكتب هو السبب، والدليل عندي هو أن غالبية الخوادم تستخدم أنظمة غنو لينكس والبرمجيات الحُرة ومع ذلك لا تتعرض للاختراقات التي تتعرض لها الأنظمة المغلقة مثل النوافذ. طبعا لا يوجد نظام حاسوبي كامل ولكن لا مقارنة بين الأمن على فيدورا وريدهات والأمن على نظرائه من أنظمة التشغيل الأخرى.

 

  • لماذا ذكرتم فيدورا ولم تذكروا ديبيان أو أبونتو؟
    الحقيقة أنه وبعد التجربة المباشرة ولفترة طويلة عندي ملاحظات كثيرة على توزيعات ديبيان، لذلك لم أذكرها في توصيتي. هنالك فرق كبير في آليات ضبط الجودة والتدابير الأمنية بين التوزيعات المبنية على ديبيان (ومنها أبونتو) وبين تلك المبنية على ردهات. وهذا من تجربة متفحصة وعن قرب. أعرف أن أبونتو نال شهرة أكبر ولكنه أدنى بكثير من حيث الاستقرار والأمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *